الدكتور الشيخ مخلص الجدة: قامة علمية وحوارية تُكرّس قيم السلام والتقارب الحضاري
Your content
يحلّ «اليوم العالمي للاعنف» في الثاني من تشرين الأول “اكتوبر” ليُذكّر العالم بضرورة الاستثمار في القيم التي تجمع البشرية وتستأصل أسباب النزاع والفرقة. وفي ظل التحديات المعاصرة التي تواجهها المجتمعات، تبرز الحاجة إلى إبراز النماذج العلميّة والفكرية التي نذرت حياتها لبناء جسور التواصل، ونشر ثقافة الحوار، وتعزيز الاعتدال والتقارب بين الأديان والمذاهب والحضارات.
بمناسبة هذا اليوم العالمي اختارت مجلتنا الدكتور الشيخ مخلص أحمد الجدة ان يتصدر غلاف مجلة وموقع kam News كشخصية العدد المتميزة بالتعاون مع المنظمة العالمية لحوار الأديان والحضارات “اويسكو” وجمعية الحوار والتواصل الإنساني والجمعية اللبنانية للتجديد التربوي والثقافي الخيرية، تقديرًا لمسيرته الأكاديمية والفكرية الحافلة، وتكريمًا لجهوده الاستثنائية التي جمع فيها بين علوم الشريعة والقانون، والمبادرات المؤسسية التي تُجسّد الفهم العميق لرسالة السلام والتسامح الإنساني.
وقبل ان نبدأ حوارنا مع الشيخ الجليل نتوقف عند محطات مضيئة من السيرة والنشأة
لما تحمله من دلالات فكرية وتربوية وثقافية ودينية
السيرة الذهبية
ينتمي الشيخ مخلص بن أحمد الجدة إلى أسرة عربية عريقة ارتبط تاريخها بالعراق. وقد قضى سنوات نشأته بين العراق والكويت، وتلقى تعليمه المدرسي في مدينة العمارة. ولَم يكتفِ بالتعليم النظامي، بل حرص على التلقّي المباشر لعلوم الشريعة والعربية على أيدي كبار العلماء والفقهاء.
تنوّع تحصيله الأكاديمي حتى نال الإجازة الجامعية في الشريعة والعلوم الإسلامية من كلية الفقه (جامعة الكوفة حاليًا) عام 1981م، ثم واصل دراساته العليا ليحصل على درجة الماجستير في القانون المدني عن رسالته: «نظام الرقابة الاجتماعية والقانونية على الأسرة»، ثم درجة الدكتوراه في الدراسات القرآنية عام 1995م عن أطروحة «مباحث في علوم القرآن والتفسير».
العطاء الأكاديمي والعمل المؤسسي
توزّعت مسيرته المهنية بين ممارسة المحاماة والتدريس الجامعي في عدة بلدان، منها العراق وإيران ولبنان. وكان له دور بارز في إعداد المناهج وتأسيس المؤسسات العلمية، إذ تولّى تأسيس وإدارة المعهد العالي للقرآن الكريم التابع للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان عام 1997م.
كما أسّس «جامعة الحضارة العالمية المفتوحة» عام 2001م، وهي المبادرة التي جاءت بالتزامن مع إعلان الأمم المتحدة لسنة 2001 «سنة الحوار بين الحضارات»، لتعكس رؤيته الاستباقية في توظيف التعليم من أجل تعزيز التواصل بين الشعوب.
تولّى الشيخ مخلص الجدة مناصب ومهامًا حوارية دولية متعددة، منها أمانة مؤتمر الحوار الديني المذهبي في فاس بالمغرب (2005م)، ورئاسة المنظمة العالمية لحوار الأديان والحضارات «أويسكو» (2010م)، وعضوية مجلس أكسفورد للإدارة في لندن.
حوار القلب للقلب
وبعد استعراض هذه السيرة النضرة نبدأ حوارنا مع الدكتور الشيخ مخلص الجدة للوقوف على مرئياته وتجاربه:
والسؤال الأول
الدكتور الشيخ مخلص الجدة، شخصية العدد: القامة التي جعلت من الحوار عقيدة، ومن اللاعنف حصناً لصون كرامة الإنسان . ماذا يعني لكم اختياركم شخصية العدد من مجلة KAMNEWS، والجمعيات اليوم وما رافق ذلك من تكريم وتقدير من جمعيات ومؤسسات سابقا . وما الرسالة الأساسية التي توجهونها اليوم إلى كل من يرى في اللاعنف ضعفاً وليس قوة؟
-التكريم في جوهره ليس امتيازًا شخصيًا بقدر ما هو مسؤولية أخلاقية وفكرية، وهو يكتسب قيمته الحقيقية حين يتحول من احتفاء بالإنسان إلى تقدير للقيم التي سعى إلى خدمتها. فالمعرفة لا تبلغ غايتها بمجرد تحصيلها، وإنما حين تتحول إلى جسر بين الناس، وإلى وسيلة لصون الكرامة الإنسانية وتعميق التفاهم بين المختلفين.ولا بد من الشكر للمجلة والجمعيات التي اتخذت هذه المبادرة ..
أما اللاعنف، فمن الخطأ اختزاله في الضعف أو التراجع أو العجز عن المواجهة. اللاعنف قوة منضبطة أخلاقيًا، وقدرة على الدفاع عن الحق من دون استنساخ الظلم، وعلى مقاومة العدوان من دون السماح للكراهية بأن تتحول إلى منهج.
قد يستطيع العنف أن يحسم مواجهة آنية، لكنه لا يضمن بناء سلام دائم؛ فقد يسُكت الخصم، لكنه لا يبني اقتناعًا، وقد ينهي معركة، لكنه يترك وراءه أحيانًا ذاكرة مثقلة بالخوف والثأر.
واللاعنف لا يعني السكوت عن الظلم، كما لا يعني مطالبة المظلوم بالتنازل عن حقه؛ بل يعني البحث عن أكثر الوسائل أخلاقية وفاعلية في مقاومة الظلم، بحيث يبقى الحق محفوظًا وتبقى إنسانية الإنسان مصونة.
القوة الحقيقية ليست في القدرة على الإيذاء، وإنما في القدرة على حماية الحق من غير أن تتحول العدالة إلى انتقام، أو يتحول الدفاع عن الكرامة إلى انتهاك لكرامة أخرى.
*جمعتم في تحصيلكم الأكاديمي بين علوم الشريعة والفقه والقانون المدني؛ كيف يسهم هذا التكامل بين الفقه والتشريع في صياغة رؤية معاصرة تحقق السلم الأهلي وتعزز دولة القانون؟
القانون مظلة للجميع
* إن الجمع بين علوم الشريعة والفقه والقانون المدني يتيح رؤية أكثر شمولًا للعلاقة بين القيم والتشريع. فالتكوين العلمي الذي جمع بين دراسة الشريعة والعلوم الإسلامية، والدراسات العليا في القانون المدني، وممارسة المحاماة، ثم التدريس في القانون والتشريع الإسلامي، يفتح مجالًا لفهم القانون في سياقه الأخلاقي والاجتماعي، لا باعتباره مجرد نصوص إجرائية.
فالفقه، في أعمق وظائفه، ليس مجموعة أحكام جزئية فحسب، بل هو اجتهاد في تنظيم علاقة الإنسان بنفسه وبغيره وبالمجتمع ،في ضوء مقاصد تقوم على العدل والمصلحة وصيانة الحقوق. أما القانون، فهو الأداة المؤسسية التي تحول المبادئ العامة إلى قواعد ملزمة تحمي الحقوق وتنظم الواجبات.
وحين ينفصل القانون عن القيم يمكن أن يتحول إلى نص جامد، وحين تبقى القيم خارج المؤسسات فإنها قد تتحول إلى أمنيات أخلاقية يصعب ترجمتها في الواقع.
من هنا، يحتاج السلم الأهلي إلى ركيزتين متلازمتين :ثقافة أخلاقية تحترم الإنسان، ودولة قانون تضمن حقوقه .فلا يكفي الحديث عن التسامح إذا لم تكن الحقوق مصونة، كما لا تكفي النصوص القانونية إذا كانت البيئة الاجتماعية والثقافية تنتج التمييز والإقصاء.
وتتحقق دولة القانون حين يصبح الانتماء الديني أو المذهبي أو الثقافي مصدر غنى للمجتمع، لا معيارًا لتفاوت الحقوق والواجبات، وحين يكون القانون مظلة للجميع، لا أداة تستخدمها جماعة في مواجهة أخرى.
*عُرفتم باستقلالية الرأي والاعتدال والانفتاح على المذاهب والأديان؛ ما أبرز المشتركات التي ترون ضرورة التركيز عليها اليوم للحد من خطابات الانغلاق والتطرف؟
-تكشف الخبرة الطويلة في الحوار والتواصل مع شخصيات ومرجعيات دينية وفكرية ومؤسسات من مدارس ومذاهب وبيئات متعددة أن مساحات الالتقاء بين الناس أوسع بكثير مما توحي به لحظات التوتر والانقسام.
وفي مقدمة هذه المشتركات تأتي كرامة الإنسان .فالإنسان يسبق التصنيف الذي يلُصق به، وحقه في الحياة والأمن والاحترام لا يجوز أن يتوقف على طائفته أو مذهبه أو معتقده.
ويأتي العدل بوصفه أساسًا لا غنى عنه لأي تعايش حقيقي؛ إذ لا يمكن أن يقوم حوار متوازن حين يشعر طرف بأنه أقل قيمة أو أقل حقوقًا من غيره.
كما أن الاعتراف بحق الاختلاف يمثل ضرورة حضارية. فالاختلاف حقيقة ملازمة للاجتماع الإنساني، ولم تكن المشكلة يومًا في وجود الاختلاف ذاته، بل في تحويله إلى مبرر للإقصاء أو العداء.
لا يحتاج الناس إلى التطابق في معتقداتهم حتى يعيشوا معًا، كما لا يحتاج أحد إلى التخلي عن هويته حتى يحترم هوية غيره.
المطلوب هو الانتقال من منطق الخوف من الاختلاف إلى منطق التعارف من خلاله.
فالتطرف يبدأ غالبًا حين يخُتزل الإنسان في عنوان واحد: مذهب أو طائفة أو قومية أو موقف. أما الحوار فيعيد إليه إنسانيته الكاملة، ويمنع الاختلاف من التحول إلى قطيعة.
ولهذا فإن مواجهة التطرف لا تكون بتطرف مضاد، وإنما بتربية العقل على النقد، والضمير على الرحمة، والمجتمع على قبول التنوع.
لا تعارض بين اللاعنف والعدالة
*برو فيسور الجدة، في اليوم الدولي للاعنف الذي يحييه العالم تخليدًا لنهج غاندي، كيف تعُرّفون «فلسفة اللاعنف» اليوم في ظل عالم تعصف به النزاعات والحروب؟
-فلسفة اللاعنف ليست مجرد تقنية لإدارة النزاعات، بل هي قبل ذلك رؤية إلى الإنسان وإلى معنى القوة.
وهي تنطلق من سؤال أخلاقي بالغ الأهمية: هل يبقى الإنسان إنسانًا في أعين خصمه حين يحتدم الخلاف، أم يتحول إلى مجرد عدو يجوز نفيه وإلغاؤه؟
اللاعنف لا يعني غياب الصراع بين المصالح والأفكار، فذلك أمر يكاد يكون مستحيلاً في المجتمعات البشرية، وإنما يعني إدارة هذا الصراع بحيث لا تتحول الخصومة إلى إلغاء للآخر، ولا يتحول الانتصار إلى إذلال، ولا تتحول العدالة إلى انتقام.
وتزداد أهمية هذه الفلسفة اليوم لأن القدرة البشرية على التدمير تطورت بدرجة هائلة، فيما لم يتطور الوعي الأخلاقي بالسرعة نفسها. لقد أصبح الإنسان قادرًا على إيذاء الآخر بوسائل غير مسبوقة، ولهذا لم يعد السؤال الحضاري الأهم: من يستطيع أن ينتصر؟ وإنما :ماذا يبقى من الإنسان بعد هذا الانتصار؟
ولا تعارض بين اللاعنف والعدالة. فالسلام الذي يقوم على تجاهل الظلم ليس سلامًا حقيقيًا، والسكوت عن انتهاك الحقوق ليس تسامحًا. اللاعنف يعني الإصرار على العدالة، ولكن من دون تحويل الكراهية إلى وقود دائم للصراع.
إنه انتقال من سؤال: «كيف يهُزم الآخر؟» إلى سؤال أعمق« :كيف يرُفع الظلم مع الحفاظ على إمكان التعايش الإنساني بعد انتهاء النزاع؟»
وهنا تكمن إحدى أرفع صور القوة الأخلاقية.
*كيف يمكن بناء «ثقافة اللاعنف» داخل مجتمعاتنا العربية، وما الدور المنوط بالمؤسسات الأكاديمية والثقافية في غرس هذه القيم لدى الشباب؟
-ثقافة اللاعنف لا تبُنى بالمواعظ وحدها، وإنما تحتاج إلى أن تتحول إلى ممارسة تبدأ من الأسرة والمدرسة، وتمر بالجامعة والإعلام، وتترسخ في المؤسسات والقوانين.
وتؤكد الخبرة الأكاديمية والمؤسسية أن التعليم ليس نقلاً للمعلومات فحسب، بل هو تشكيل لطريقة الإنسان في النظر إلى ذاته وإلى المختلف عنه.
فالجامعة التي تنتج طالبًا متفوقًا في اختصاصه لكنه عاجز عن الاستماع إلى رأي مختلف تكون قد منحته معرفة، لكنها لم تمنحه بالضرورة ثقافة الحوار.
المطلوب تعليم الشباب كيف يناقشون دون إهانة، وكيف يعترضون دون كراهية، وكيف يدافعون عن قناعاتهم من دون تحويلها إلى سلاح معنوي في وجه الآخرين.
كما أن الشباب يحتاجون إلى مساحات فعلية للحوار والتفاعل، لا إلى محاضرات نظرية عن الحوار فقط؛ من خلال البرامج المشتركة، ومبادرات الخدمة العامة، والتدريب على الوساطة وحل النزاعات، واللقاءات العابرة للانقسامات الطائفية والثقافية.
فكثير من الأحكام المسبقة تنمو في المسافة، وتسقط حين يتحول «الآخر» من صورة ذهنية مجهولة إلى إنسان حقيقي له اسم وتجربة ومشاعر وهموم.
ولهذا فإن ثقافة اللاعنف ليست درسًا منفرداً، بل تربية متكاملة على أن قوة الحجة تغني عن عنف اللغة واليد، وأن احترام الآخر لا يعني التفريط بالهوية.
*في زمن طغت فيه الخطابات المتشنجة ولغة الإقصاء، كيف يمكن للغة الحوار والإعلام أن تحل محل الخطاب العنيف أو المحفز عليه؟
المسؤولية الأخلاقية الكبرى للإعلام.
-الكلمة ليست منفصلة عن الواقع. فكثير من أشكال العنف تبدأ باللغة قبل أن تنتقل إلى السلوك.
حين ينُزَع عن الآخر وصفه الإنساني، أو تعُمم التهم على طائفة أو جماعة بأكملها، أو يتحول المخالف إلى خائن وعدو مطلق، فإن الوعي يهُيأ تدريجيًا لتقبل ممارسة الظلم بحقه.
ومن هنا تبرز المسؤولية الأخلاقية الكبرى للإعلام. فوسائل الإعلام لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد ناقل للانفعال والخوف ،لأن نقل النار من دون مسؤولية قد يجعل الوسيلة نفسها جزءًا من الحريق.
والإعلام المسؤول ليس إعلامًا يخفي الخلاف أو يجمل الواقع؛ بل هو إعلام يضع الحدث في سياقه، ويميز بين الخبر والتحريض، وبين النقد والتشهير، وبين حق الجمهور في المعرفة وبين استثمار المخاوف من أجل الإثارة.
كما يحتاج الحوار إلى استعادة قيمة أساسية هي الإنصات .فالمشكلة ليست دائمًا نقص الكلام، بل غياب الاستعداد للاستماع.
الحوار الحقيقي لا يشترط الاتفاق، وإنما يشترط الاعتراف بحق الآخر في أن يسُمع. ولا يقوم على المجاملات، بل على الصراحة التي لا تنفصل عن الاحترام.
فلا يطُلب من أحد أن يتنازل عن قناعته حتى يتحاور، وإنما أن يتخلى عن الاعتقاد بأن امتلاك القناعة يمنحه حق إهانة من يخالفه.
* توليتم رئاسة المنظمة العالمية لحوار الأديان والحضارات )أويسكو(؛ ما الدور الذي تلعبه المبادرات التعليمية والمؤسسية في تحويل مفهوم السلام من شعار نظري إلى واقع ملموس؟
-بكل تأكيد، من أهم ما تكشفه الخبرة المؤسسية أن النوايا الطيبة، على أهميتها، لا تكفي لصناعة السلام.
فإذا بقي السلام خطابًا يلقى في المؤتمرات والمناسبات، فلن يمتلك القدرة الكافية على تغيير الواقع. ولذلك يحتاج الحوار إلى مسارين متكاملين: مسار معرفي ينتج الفكرة، ومسار مؤسسي يحولها إلى برامج ومناهج وعلاقات مستدامة.
المؤسسة تمنح الفكرة ذاكرة واستمرارية؛ فالأشخاص تتغير مواقعهم، أما الفكرة حين تتحول إلى منهج دراسي أو مركز بحث أو برنامج تدريب أو شبكة تعاون فإن قدرتها على التأثير تصبح أعمق وأطول عمرًا.
ومن هنا ينبغي الانتقال من ثقافة المناسبات إلى ثقافة العمل المستدام :مناهج تعلم احترام التعدد، وأبحاث تدرس جذور النزاعات، ومبادرات تجمع الناس قبل انفجار الأزمات لا بعدها فقط، ومؤسسات تملك القدرة على التدخل بالحكمة عندما ترتفع لغة الانقسام.
السلام ليس شعارًا؛ إنه بنية ثقافية وقانونية وتعليمية ومؤسسية. وكلما دخلت قيم الحوار في تفاصيل الحياة اليومية، اقترب المجتمع من تحويل السلام من حلم الى واقع.
*نلتم تكريمات وتقادير متنوعة، منها ميدالية البابا بنديكتوس السادس عشر، والإنجيل السرياني الذهبي المقدس من البطريركية السريانية الأرثوذكسية وغيرها الكثير؛ كيف ترون أثر هذه المحطات في تعزيز رسالة الأخوة الإنسانية والسلام؟
– تكتسب مثل هذه التكريمات قيمتها الكبرى من بعدها الرمزي، ولا سيما حين تأتي من مؤسسات وشخصيات تن تمي إلى تقاليد دينية وثقافية مختلفة.
فحين يعبر التقدير الحدود الدينية والثقافية يصبح معناه أكبر من صاحبه؛ لأنه يؤكد أن الاحترام الإنساني قادر على تجاوز الحدود التي صنعتها السياسة والتاريخ والصراعات.
كما يثبت أن المؤمن الواثق من هويته لا يخشى احترام معتقد الآخر ومقدساته، وأن الحوار لا يتطلب من الناس التخلي عن خصوصياتهم.
الأخوة الإنسانية لا تقوم على محو الهويات، وإنما على تهذيب العلاقة بها. فالمسلم يستطيع أن يكون أكثر وعيًا برسالته الإسلامية، وفي الوقت نفسه أكثر انفتاحًا على شريكه المسيحي، كما يستطيع المسيحي أن يبقى أمينًا لإيمانه ويلتقي مع المسلم عند قيم الكرامة والعدل والرحمة وخدمة الإنسان.
فالحوار الناضج لا يصنع نسخًا متشابهة من البشر، وإنما يجعل اختلافهم أكثر قدرة على التعايش والتكامل.
الكرامة الإنسانية لا يمكن أن تكون انتقائية
*ختامًا، ما الخطوات العملية التي نصنع بها غدًا أكثر سلامًا وأماناً للإنسانية؟
– البداية الحقيقية تتمثل في إعادة الإنسان إلى مركز التفكير الأخلاقي والسياسي والديني؛ فالكرامة الإنسانية لا يمكن أن تكون انتقائية. لا معنى للمطالبة بالكرامة لجماعة مع استباحتها لجماعة أخرى، ولا معنى للعدالة إذا تحولت إلى حق خاص بمن نحب دون من نختلف معهم.
ثم يأتي التعليم باعتباره من أهم الاستثمارات بعيدة المدى في فلسفة وثقافة السلام. فكل عقل يتعلم التفكير والنقد والحوار هو مساحة تنُتزع من التطرف.
ويأتي القانون بوصفه الضامن العملي للحقوق، بحيث لا تكون كرامة الإنسان رهينة لطائفته أو قوته أو نفوذه.
كما تقع مسؤولية كبيرة على الخطاب الديني في تحرير الدين من الاستخدام الذي يحوله من طاقة أخلاقية جامعة إلى وسيلة لتغذية الانقسام، وعلى الإعلام في إدراك أن الكلمة قد تبني سلامًا وقد تشعل نزاعًا.
والمطلوب، قبل كل شيء، هو استعادة الشجاعة الأخلاقية :الشجاعة في رفض الكراهية حين تصبح شائعة، وفي رفض الظلم حتى إذا وقع على المختلف، وفي التمسك بالحوار حين يبدو الصراخ أكثر سهولة وأعلى صوتاً.
والمعرفة في أرفع وظائفها لا تجعل الإنسان أكثر قدرة على الانتصار في الجدل فحسب، وإنما أكثر إدراكًا لمسؤوليته تجاه الآخرين.
قد لا يعرف العالم يومًا بلا اختلاف، وقد لا تخلو الحياة البشرية من النزاعات، لكن الممكن والضروري هو بناء إنسان يعرف كيف يختلف من غير أن يلغي، وكيف ينتصر للحق من غير أن يفقد الرحمة، وكيف يصون هويته، من غير أن يفقد القدرة على اللقاء بالآخر والتفاعل معه.
فالسلام ليس غياب الاختلاف، بل بقاء الإنسان حاضرًا في قلب الاختلاف. وحين تصبح كرامة الإنسان حداً أخلاقيًا لا يجوز تجاوزه، تبدأ الخطوة الحقيقية نحو عالم أكثر عدلًا وأمنًا وسلامًا
ومع هذا الحوار الشيق والمثمر الدكتور الشيخ مخلص أحمد الجدة نقدّم نموذجًا حيًا للباحث والمفكّر الذي استطاع أن يسخر المعرفة والدراسات الشرعية والقانونية في خدمة قضايا الإنسان والتفاهم بين الشعوب. وإن إبراز هذه القامات العلمية في اليوم العالمي لاعنف يُمثّل رسالة أمل وتأكيدًا على أنّ السلام والمحبة هما الخيار الأصيل والمستدام لبناء المجتمعات وتطورها.

